الأربعاء، 22 فبراير، 2006

جذور اللغة العربية ــ 2


في نشرة سابقة عن جذور اللغة العربية، كتبت عن النقش على قبر إمرئ القيس بن عمرو، ثاني ملوك الحيرة، من 299 إلى 329 ميلادي. وقلت بأن الواضح من ذلك النقش أن الحروف بعيدة الشبه عن حروف اللغة العربية التي نعرفها. كما ذكرت بأن معاني الكلمات بعيدة الشبه، وكذلك قواعد النحو. وهي مثال للمراحل البدائية في تطور اللغة العربية، أو ما تسمى
proto Arabic.
في هذه النشرة أذكر مثالاً آخر في تطور اللغة العربية. مثال من الفترة التي سبقت البعثة النبوية الشريفة بقليل. بقية من حجر منقوش على بوابة لمقام النبي يحيى بن زكريا عليهما السلام، ويعود تاريخه إلى 568 ميلادي. تم اكتشافه في إقليم حوران، إلى الشمال الشرقي من جبل العرب ( جبل الدروز). كما هو واضح من الصورة، يمكننا أن نميز معظم حروف النقش. فالحروف قريبة الشبه من الخط الكوفي ــ ويطلق عليه تسمية الخط العربي ما قبل الكوفي.
النقل الحرفي إلى حروفنا العربية، حسب إجماع علماء النقوش القديمة، كما يلي
انا شراحيل بر طلمو بنيت ذا المرطول
سنت 463 بعد مفسد
حينئذ
نعم
السنة المذكورة هي حسب ميقات مدينة بُصْرَى الشام منذ بداية الحكم الروماني، بعد وفاة آخر ملوك النبط وخراب بصرى النبطية ــ وتوافق سنة 568 ميلادية. ففي سنة 106 ميلادية، تم ضم بصرى إلى بقية بلاد الشام الواقعة تحت النفوذ الروماني، على يد تراجان (طريانوس)، إمبراطور روما من سنة 98 إلى 116 ميلادي.
أعاد الرومان إعمار بصرى. وأعادوا لها الحياة، وصارت عاصمة لما سميَإقليم بلاد العرب الجبلي
، Arabia Petraea.
ووصلت بصرى ذروة مجدها في ذلك العهد.
وبصرى غنية بالآثار القديمة: رومانية، وبيزنطية، وإسلامية. من هذه الآثار، المسرح الروماني، الذي يعد أحسن نموذج لما حفظه التاريخ من المسارح الرومانية. كما أن فيها آثار من كنيسة بحيرا، الراهب المذكور في كتاب السيرة النبوية لإبن هشام.
لكن، كيف المزار وذاك منا بعيد. أو كما قال عنترة، في معلقته،
كيفَ المزارُ وقد تـَرََبّع أهْلـُها
بـِِعُنـَيْزَتَـيْنِ وأهْلـُنا بالغَـيْـلـَمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شراحيل بر طليمو (كلمة بر تعود إلى اللغة الآرامية، اللغة الأم، وهي كذلك في السريانية، كما هي في العبرية، وتعادل كلمة إبن العربية، ونجدها في صفة الإبن باللعة العربية، بقولنا الإبن البار) وهو إسم من قام ببناء ذلك الضريح.
وحتى الآن لم أستطع التعرف على معنى المرطول. لكني أرجح، وهذه من شطحاتي، أنها من أصل رومي. فهناك كلمة مرتريوم التي تعني النصب الذي يقام لذكرى شهيد. ومن لم يستذكر من أهل بصرى، من العرب الأنباط، شهادة النبي يحيى؟